القائمة الرئيسية

الصفحات

السيدة الحرة العاهلة الفذة


 قال الرجل الصالح ، شیخ الاسلام أودجال ، وهو يضع يده مباركا على رأس الطفلة الصغيرة التي جاءت لتتتلمذ عليه وهي في العاشرة من عمرها : « هذه الطفلة سيكون »

كان هذا الحدث سيظل مجرد حدث عابر ، لولا أن هذه الطفلة الصغيرة طبعت ، فيما بعد ، تاريخ شمال المغرب المسلم حوالي نهاية القرن العاشر للهجرة .
وكانت هذه الحركة التي أبداها الشيخ ستظل مجرد شكلية شعائرية تافهة لو لم تكتسب هذه الطفلة اسما مشهورا هو « السيدة الحرة » أو الأميرة النبيلة كما يحلو لعدد كبير من المؤرخين الاسبانيين والبرتغاليين أن يلقبوها .

رسم للسيدة الحرة 

غريب قدر هذه المرأة ، الحرة بنت علي الرشيد ، المزدادة حوالي سنة 900 هـ . إن تاريخ المغرب لم يقدم لنا أمثلة أخرى منذ انتشار الاسلام في ربوعه عن نسوة حكمن منطقة بكاملها ومارسن سلطة تكاد تكون مطلقة . 
عند نهاية القرن الخامس عشر الميلادي أسس أحد الشرفاء الأدارسة القايد مولاي علي ابن الرشيد مدينة الشاون ، وقاد الجهاد ضد البرتغاليين في كل من سبتة وطنجة وأصيلة ، وقد كان هذا القائد قد تلقى فنون الحرب في اسبانيا ابان فتوته .
وطوال مقامه بالأندلس ، تزوج سيدة إسبانية مسلمة ، أطلقت على نفسها أسم للازهرة بعد أن أعلنت إسلامها . وكان أصل هذه المرأة من مدينة واقعة على الطريق الواصل بين طريفة وقادس . 
وقد أنتج هذا الزواج حوالي سنة 1490 م . ولدا هو مولاي إبراهيم . ثم بعد خمس سنوات ازدادت الحرة . وكان عليها أن تتلقى تربية جديرة بالأسر الشريفة في تلك الحقبة ، وذلك بتتلمذها على يد عدد كبير من مشاهير الشيوخ ، أمثال أبي محمد عبد الله الغزواني . وكانت قد تلقت تعليما مزدوجا على غرار أخيها مما سمح لها بالتمكن من عقلية ونفسية الأوروبيين ، البرتغاليين والاسبانيين منهم على الخصوص .
وقد انتقلت هذه المرأة ، التي أصبحت فيما بعد زوجة المندري الثاني ابن أخ المندري الأول المشهور مجدد مدينة تطوان والذي كان في خدمة الأحمر إبان حرب غرناطة ، إلى مدينة تطوان وهي لاتزال صغيرة السن حيث تسنى لها أن تتطور بسهولة داخل الوسط الأندلسي المتعلم والمرهف الذي تربت في أحضانه . وقد كانت السيدة الحرة بفعل تأثرها بزوجها وبيئته مثالا للحنكة في فن السياسة وفي معرفة خبايا المجتمعات المقيمة على ضفتي البحر الأبيض المتوسط . 
وقد استطاعت بفضل هذه الموهبة الممزوجة بذكائها الفريد وتعليمها الجيد الذي تلقته في أولى سنوات عمرها أن تكتسب قدرا وفيرا من الرزانة والحكمة رغم طبعها الحاد .
وفي سنة 1518 م . وعلى إثر وفاة زوجها الذي خلفت منه طفلة ثم اختيارها والية على مدينة تطوان في نفس الوقت الذي ثم فيه تعيين أخيها مولاي إبراهيم عاملا على نفس المدينة .


مولاي علي بن الرشيد , والد السيدة الحرة
(معرض الشاون 1971)

 
المندري الثاني , الزوج الثاني للسيدة الحرة
(معرض الشاون 1971)


المندري الأول القائد في جيش ابن الأحمر بغرناطة ومجدد مدينة تطوان (معرض الشاون 1971)


وانطلاقا من هذا التاريخ أصبحت هذه الأميرة تظهر في الكتابات التاريخية البرتغالية , بسبب أسر الأميرال القرصان البرتغالي المشهور « بورتيروندو  » وكان هذا الأخير قد سيق الى ميناء مارتيل في ضواحي تطوان , حيث شاءت السيدة الحرة أن تنظر في مصيره .



قصة التفاحة

من هو المندري ، معيد بناء تطوان ، هذه المدينة التي شيدت تارة
وهدمت تارة أخرى ؟
هو أبو الحسن المندري من مواليد غرناطة كان أحد المرافقين للأمير المجاهد ابن الأحمر وأحد قواده المهرة .
وفي نهاية القرن الخامس عشر هاجر المندري ، كما المؤرخين ، على رأس عدد كبير من سكان غرناطة قبل سقوط هذه الإمارة . حيث نزل هؤلاء الأهالي عند مصب واد مارتيل . وتوجه إلى فاس وفد منهم فمثلوا بين يدي السلطان محمد الشيخ الوطاسي ، الذي أكرم وفادتهم ومنحهم الإذن بالاستقرار فوق أطلال المدينة المندثرة ( تطوان ) .
 ثم أكد السلطان بعد ذلك زعامة المندري على هؤلاء الأهالي ، الذي سرعان ما أعادوا إقامة أسوار تطوان وشيدوا بها مباني جميلة ومساجد كبيرة.
وبعد أن إستتب لهم الأمر ونظموا شؤونهم ، أعلنوا الجهاد ضد البرتغاليين الذين جاءوا للإستقرار بسبتة و القصر الكبير . وقد ساهم ثلاثة آلاف من أسرى
هذه الحرب في إنماء أعمال إعادة بناء مدينة تطوان ، وقد تمت قبل سقوط غرناطة .
وقد أكد هذا الخبر نص السلاوي الذي نقل إلينا بأن أهالي تطوان يزعمون | بأن تاريخ إعادة بناء هذه المدينة يتضمنه الاسم العربي المتشابك الاحرف « تفاحة » ، وبالفعل فإننا بإعطائنا رقم 1000 للألف ، وبحسابنا للقيمة الرمزية للأحرف الأخرى سنحصل في الاخير على الرقم 1491 .

وهكذا ، وبفضل «تفاحة » ، وضع هذا التاريخ لنفسه رقما...



بارباروس على الطريقة النسائية 

من المعتقد أن السيدة الحرة بدأت تهتم بتطور أعمال القرصنة في حوض البحر الأبيض المتوسط ، إثر تعيينها والية على تطوان ونواحيها ، وتعيين أخيها كوزير أعظم للسلطان مولاي أحمد الوطاسي بفاس . فقد ربطت الاتصال بخير الدين القرصان العثماني المعروف باسم « بارباروس » ، ثم انكبت على صناعة المراكب بمجرى مارتيل للقيام صحبة حليفها الجديد بعمليات محبوكة ضد السواحل الاسبانية .

وقد نتجت عن هذا النشاط البحري الذي جنت السيدة الحرة منه غنائم وفيرة صعوبات جمة في مفاوضات السلم التي كانت تجري خلال سنتي 1537 و 1538 بين الوزراء المفوضين في كل من فاس ولشبونة والتي كانت تتأرجح بين الفشل والنجاح . 

كانت الصعوبة الرئيسية تتمثل في عدم قدرة الوزير الأعظم مولاي إبراهيم على الحيلولة دون استمرار أخته في ممارساتها القرصانية . فقد كان يشترط خلال المفاوضات أن تسمح السلم باستمرار أخته السيدة الحرة في نشاطاتها البحرية انطلاقا من نهر مارتيل ضد الاسطول الاسباني ، دون أن يلحق ذلك ضررا بالاتفاق المغربي البرتغالي . 
وبفعل القوة التي اكتسبتها السيدة الحرة ، والتي جعلتها في مستوى تشكيل تهديد للسلطة في فاس ، أجبرت هذه الأميرة البلاط الملكي بفاس على قبول بنود يخول لها نوعا من الاستقلال الذاتي .
 وقد غدت سلطة هذه الأميرة من القوة والاتساع ما دفع حاكمي طنجة وأصيلة البرتغاليين إلى مساندة وجهة نظرها والدفاع عنها لدى العاهل البرتغالي يوحنا الثالث حيث كتبا إليه بأنها حققت من المكاسب خلال سنة 1537 ما يجعلها غير مستعدة للتنازل عن امتيازاتها .

السلطان مولاي احمد الوطاسي ,
 الزوج الثاني للسيدة الحرة
وهكذا استمرت السيدة الحرة تحكم تطوان بكل حرية إلى أن وافت المنية أخاها بمكناس سنة 1539م. 
وقد أقدمت بعد ذلك على مناورة سياسية جديدة مكنتها من التمتع باستقلالها . إذ أنها تحالفت مع المندري الثالث الذي زوجته ابنتها الوحيدة ، وأشركته معها في تسيير شؤون المدينة غير أن هذه الشركة لم تدم طويلا ، إذ أن حدثا آخر بالغ الأهمية جاء ليغير مجرى حياة هذه السيدة الفريدة فقد تزوجت سلطان فاس مولاي أحمد الوطاسي الذي تركها بعد أن زار تطوان بمناسبة أفراح العرس وقد تركزت ولايتها على المدينة ورسخ حكمها فيها بعد أن أصبحت زوجة للسلطان .

وقد كان هذا الزواج ، دون شك ، هو الوحيد الذي يحتفل به سلطان من المغرب خارج عاصمة ملكه ، بل والأدهى من ذلك ، في منطقة نفوذ عروسه . وقد كان يقال آنذاك إن السبب في تجاوز المراسم البروتوكولية في هذا الزفاف يرجع إلى أن السيدة الحرة كانت ترفض أن مدينتها لتهب نفسها لحياة زوجية بعيدة عن أي نفوذ سياسي مباشر أو مهام سياسية فعلية .

غير أن الواقع كان خلاف ذلك تماما ، فالسلطان مولاي أحمد الوطاسي كان بحاجة إلى دعم السيدة الحرة إياه في مواجهة السعديين الذين كان نفوذهم قد اجتاح مدينة مراكش وقد تم مؤخرا اكتشاف عقد النكاح الموثقل لهذه الزيجة ، وهو مؤرخ في الخامس من ربيع الأول سنة 948 هـ . ( 30 يونيو 1541م ) .

في تلك الحقبة ، كانت العداوة التي تكنها السيدة الحرة للبرتغاليين وخاصة منهم حاكم سبتة ، قد بلغت درجة جعلت القنصل البرتغالي بفاس يضطر إلى أن ينصح العامل ألفونسو بسبتة في رسالة بعث بها إليه في 30 أغسطس 1541 بإقفال حدود هذه المدينة .
غير أنه إذا كانت السيدة الحرة حقيقة تولي الأهمية لميناء سبتة الذي تستورد عن طريقه البضائع والسلع أوروبا والتي تحتاجها هي وكذا سكان مدينة تطوان ، فإن البرتغاليين بالمقابل ، كانوا هم أنفسهم يحققون أرباحا ومكاسب وفيرة من جراء تجارتهم مع المدينة ونواحيها .




الى هنا وينتهي شرحنا أتمنى أن نكون عند حسن ظنكم لا تنسوا متابعة قناتنا عاليوتوب على الرابط التالي : CUKUR GAMES  , لا تنسوا تفعيل زر الجرس ليصلكم كل جديدنا                                     والضغط على لايك اذا اعجبكم الفيديو. 
والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .يومك سعيد , احتراماتي .

تعليقات